“قيس قبل الغطيس”: لماذا يعتبر التجريب المصغر طوق النجاة في التحولات الاستراتيجية؟
في عالم الأعمال المتسارع، طالما سيطر علينا هاجس “السرعة” و”اقتناص الفرصة”. لطالما آمنت – كغيري من المتحمسين للتغيير – بأن التوقيت (Timing) والسرعة (Speed) هما العاملان الحاسمان في نجاح أي قصة تحول كبرى. كنا نردد دائماً أن “رأس المال جبان”، لكننا ننسى أحياناً أن “التهور مكلف”.
هل كثرة الاختبار والتجريب تقتل الإنجازات وتعطل ميلادها؟ هذا السؤال كان يدور في ذهني دائماً، حتى عدّل أحد الأصدقاء المدينيين، وهو الدكتور المهندس أحمد الغمراوي، بوصلتي بكلمة واحدة اعتبرتها قاعدة ذهبية نسفت اعتقادي القديم. قال لي بلهجة أهل المدينة العفوية والحكيمة: “قيس قبل الغطيس”.
وهم السرعة ومصيدة الحماس
في مشاريع التحول الاستراتيجي الكبرى، غالباً ما نقع في فخ “الحماس للفكرة البراقة”. تبدو الفكرة على الورق مثالية، والعوائد المتوقعة مغرية، مما يدفعنا للرغبة في التنفيذ الفوري وحرق المراحل. لكن هذا الاندفاع، وإن بدا ظاهرياً كنوع من الشجاعة الإدارية، إلا أنه في جوهره قد يكون مخاطرة غير محسوبة العواقب.
إن تبني فكرة لامعة دون إخضاعها لاختبار الواقع ليس إقداماً، بل هو قفز في المجهول. وهنا تكمن أهمية الحكمة التي ذكرها د. أحمد.
التجريب المصغر: ذكاء استراتيجي لا تردد
يعتقد البعض أن الميل نحو عمل النماذج الأولية (Prototyping) أو المشاريع التجريبية (Pilot Projects) هو نوع من التردد أو إضاعة للوقت الثمين. ولكن الحقيقة الاستراتيجية تقول عكس ذلك تماماً:
- تكلفة التعلم: أن تخسر موارد مالية وزمنية وبشرية محدودة في تجربة مصغرة لتكتشف خطأً في التصميم أو التطبيق، هو ثمن زهيد جداً مقابل “ثمن الجهل”.
- فرصة التصحيح: التجربة المصغرة تمنحك المرونة (Agility) لتعديل المسار قبل فوات الأوان.
- كارثة العودة للصفر: التكلفة الحقيقية والخسارة التي لا تُعوّض تكمن في اكتشاف الخطأ بعد استنزاف الميزانية كاملة، واستهلاك طاقة الفريق في مشروع لم يتم اختباره، مما يضطرك للعودة إلى المربع الأول.
فلسفة المسبح: عمق التخطيط وقوة التنفيذ
إذا أردنا إسقاط عبارة “قيس قبل الغطيس” على واقعنا الإداري، سنجد أن الغطس بحد ذاته فعل ممتع ومثير، وهو يمثل لحظة “الإطلاق” (Launch) للمشروع. ولكن، معرفة عمق المسبح مسبقاً هي ما يحدد لك:
- قوة القفزة: حجم الموارد التي يجب ضخها.
- مسافة القفز: المدى الزمني للمشروع.
- آلية النزول: الطريقة المثلى للتنفيذ (Implementation Methodology).
بدون هذا القياس، قد تكون القفزة قوية جداً في مسبح ضحل، فتكون النتيجة كارثية، أو قفزة مترددة في مسبح عميق، فلا نحقق الأثر المطلوب.
الخلاصة
التوازن بين السرعة والتأني هو فن القيادة. لا تجعل الخوف من “فوات الفرصة” يدفعك لتجاهل “التحقق من العمق”. إن بناء ثقافة تعتمد على التجريب، والقياس، والتحسين المستمر قبل التوسع، هو ما يصنع الفارق بين المشاريع التي تلمع وتخبو سريعاً، وبين التحولات الاستراتيجية الراسخة والمستدامة.
تذكر دائماً: قيس، ثم اغطس.